عمر فروخ
72
تاريخ الأدب العربي
من يرضى هديه أو يقتبس علمه . . . . أو يعرف حدّه بأدب من الآداب عليه أو يباشّ « 1 » بوجه من الوجوه إليه ، وما ذلك إلا لنغل القلوب ودخل الأعراق وخلوقة الدين وغلبة القحة وارتفاع المراقبة وسقوط الهيبة ورفض السياسة والتبجّح بالفحشاء والمنكر « 2 » . ولعمري ، ما زالت الدنيا على سجيّتها المعروفة وعاداتها المألوفة ؛ ولكن اشتدّت مؤونتها وتضاعفت زينتها اليوم بفقد السائس الصارم وبعدم العابد العالم وبانقراض أهل الحياء والتكرّم وبتصالح الناس على التعادي والتظالم . وللّه - جلّ وجهه وتقدّس اسمه - في هذا الخلق غيب لا يعرف مآبه ولا يفتح بابه « 3 » ، ولا يقع القياس عليه ولا يهتدي الإحساس إليه ؛ ومن أجله سقط الاعتراض ووجب التسليم « 4 » والانقياد . وأدع هذا ، فهو سلّم طويل وفضاء عريض . - وصف الصاحب بن عبّاد : قلت إن الرجل كثير المحفوظ : قد نتف من كلّ أدب خفيف أشياء ، وأخذ من كلّ فنّ أطرافا . والغالب عليه كلام المتكلّمين المعتزلة ؛ وكتاباته مهجّنة بطرائقهم ، ومناظرته مشوبة بعبارة الكتّاب . وهو شديد التعصّب على أهل الحكمة والناظرين في أجزائها كالهندسة والطب والتنجيم والموسيقى والمنطق والعدد ( الحساب ) ، وليس عنده بالجزء الالهيّ ( علم ما وراء الطبيعة ) خبر ، ولا له فيه عين ولا أثر . وهو حسن القيام بالعروض والقوافي ، ويقول الشعر وليس بذاك !
--> ( 1 ) هذه الدار : الحياة الدنيا . الهدى ( بالفتح ) - الهدى ( بالضم ) : السلوك القويم ، اتباع الحق ، يباش ( الصيغة غير موجودة في القاموس ) : يقبل أحدنا عليه فرحا ضاحك الوجه . ( 2 ) نغل القلوب : فساد النية ، تغير المودة . دخل الأعراق : فسادها ( فساد الطبيعة البشرية بحيث لم يبق جنس من البشر على طبيعته البريئة الخيرة ) . الخلوقة : التهري ، البلى من أثر القدم . . خلوقة الدين : ذهاب الدين من القلوب . ارتفاع المراقبة : فقدان الوازع الذي يمنع الناس عن اتيان الشر جهرا . سقوط الهيبة : قلة مبالاة الناس بأوامر الدولة ( أو الدين ) ونواهيها . رفض السياسية : ترك المداراة ، وحسن المعاملة . التبجح بالفحشاء والمنكر : التفاخر باتيان الافعال القبيحة . ( 3 ) اشتدت مؤونتها : أصبحت مطالب الحياة كثيرة وملحة . تضاعفت زينتها : ازداد جذبها لابصار الناس وعظم اقبال الناس على التمتع بأسباب الحياة الهينة فيها . تصالح الناس على التعادي والتظالم : ألف الناس اعتداء القوي منهم على الضعيف . لا يعرف مآبه : غبه ، نتيجته ، آخرته . لا يفتح بابه : لا تعرف الحكمة منه . ( 4 ) - سقط تساؤل المخلوق عن فعل الخالق في هذه الدنيا ووجب الرضا بما قدر اللّه .